20 October، 2018

أخر الأخبار

ولكن لا يشعرون

عصام القيسي

أثبتت أحداث الربيع العربي أن سرّ بقاء الأنظمة المستبدة وقوتها هي تلك الأكثرية الشعبية البسيطة التي تحرسها. وهي أكثرية لديها قابلية عالية للعبودية بمعناها الحقيقي. أي عبودية الضمير، وموت الشعور بالحرية والكرامة. هذه السمات هي المشترك الجامع بين مختلف الشرائح الاجتماعية المناصرة للنظم المستبدة الفاسدة. إذ ليس هناك من مبرر منطقي لتأييد نظام فاسد مستبد لا خلاف على فساده واستبداده، إلا هذا التفسير “السيكو أخلاقي”. وانطلاقاً من هذه الحقيقية ظل كاتب هذه السطور يردد منذ أول يوم للثورة اليمنية إن من الخطأ القول بأنها ثورة الجياع والمحرومين، فالجوعى لا يثورون إلا إذا كانوا يشعرون بإهانة الجوع والفقر. أما أولئك الذين لا يشعرون بجرح الكرامة إذا افتقروا وجاعوا فهم في العادة يذهبون إلى حراسة النظام الذي أفقرهم وجوعهم، كما يفعل الحمار المضبوع.

 

يقال إن الحمار يخاف الضبع كثيراً، لدرجة أنه إذا وقع بين يدي ضبع فإنه يجري هارباً كما تقول له غريزته، لكنه لشدة رعبه وإنهاكه يقرر التوقف عن الجري والعودة إلى الضبع ليلقى حتفه، ومن هنا جاءت عبارة الحمار المضبوع. وبغض النظر عن صحة هذه المسألة من عدمها فإن الجماهير المضبوعة حقيقة واقعية نعرفها نحن ثوار الربيع العربي جيداً. فقد كان أشرس أنصار نظام صالح والحوثي هم أولئك الفقراء الحفاة المنهكين، الذين هم بالطبع ضحايا سياسة حكم الإمامة وصالح تحديداً. والذين ما قامت الثورة إلا لإنقاذهم من الهوان الذي هم فيه. لكن كما قال المتنبي – وسر خلود المتنبي هو قدرته الفذة في التقاط الجوهري من العرض المتغير – من يهن يسهل الهوان عليه، ما لجرح بميت إيلام.

 

 

لست هنا في مقام الهجاء لهذه الأكثرية بالطبع، وإنما في مقام بيان حقيقة لا بد لطلاب التغيير من اعتبارها في أي مشروع يستهدف نهوض الأمة. والمقصود بالاعتبار هنا وضعها ضمن قائمة المشكلات الاجتماعية والسياسية التي تحتاج إلى معالجة تتصف بالذكاء والعمق والصبر، في إطار ما يسمى بتكوين الكتلة التاريخية المناسبة للتغيير. وهذه المشكلة لا بد أن تدفع النخب السياسية ذات المشروع الحضاري إلى إعادة الاعتبار “للعامة” من ناحية، وإلى إعادة النظر في خطابها من ناحية أخرى. ربما تحتاج هذه النخبة إلى إعادة الاعتبار والتقدير للخطاب الفني والأدبي الراقي، لما له من قدرة على إيقاظ مشاعر الفردانية المتعالية. وأعني بالفردانية المتعالية شعور الفرد بكرامته وحريته إلى الحد الذي يمنعه من أن يكون حجراً غشيماً في مشروع الاستبداد والفساد، وعلفاً لمدافع الحروب الطائفية والكهنوتية.

 

لقد عملت مشاريع التغيير والمعارضة العربية طوال الوقت الماضي بطريقة المسمار في جدار الفساد والتخلف، وعليها أن تفكر من الآن وصاعداً في العمل بطريقة الماء تحت التبن. عليها أن تتسرب ببطء تحت أساسات الاستبداد في أسفل التربة الاجتماعية، وفي أعماق النفس الإنسانية. فالاستبداد ليس مجرد حاكم ونظام سياسي، بل ثقافة وتكوين نفسي يمتدان كسجادة حمراء أمام الحاكم المستبد والنظام الفاسد. صحيح أن المسمار صلب ويمكنه اختراق الجدار في وقت أسرع، لكنه معرض للكسر أيضاً إذا كان جدار التخلف والفساد صلباً والطرق على رأسه قوياً كما هو حال مشاريع المعارضة السياسية مع أنظمة الحكم في مجتمعاتنا. وصحيح أيضاً أن خلخلة حصون الاستبداد في أساساتها عمل بطيء ومعقد إلا أنه أكيد المفعول.

 

لا شك أن الإنسان هو هدف الثورة السامية، كما كان هدف الأديان السامية دائماً، وهو أيضاً هدف الفن والأدب الساميين. والمشروع السياسي النهضوي الذي يتجاهل هذه الحقائق يحكم على نفسه بالفشل من الوهلة الأولى. فليس وحده “أمارتيا كومار صِن” الذي يقول إن التنمية حرية، فمنطق العلم ومنطق التاريخ أيضا يقولان ذلك. ومصادر الحرية الأساسية هي الفنون والآداب دون شك. وذلك ما ألمح إليه التكوين القرآني نفسه أيضاً. إذا ما عرفنا إن أكثر من ثلثي الخطاب القرآني هو عبارة عن قصص، وأن وسيلته الأساسية في الخطاب هي التصوير الفني، وأن أحد أسرار تأثيره هو الإيقاع والموسيقى الداخلية التي تشع من جوانبه دون ضجيج.