21 November، 2017

أخر الأخبار

عودة أوهام التوريث

نهى سعيد

منذ أن أندلعت شرارة ثورة فبراير، حتى ظننا أن الثوار اليمنيين سيفوقون ثوار فرنسا حينما أطاحوا بالحكم الملكي الذي كان وقتها قد مزق المجتمع إلى طبقتين، الطبقة الأرستقراطية وطبقة الفقراء الكادحين ، فأطاح ثوار فرنسا بالملكية وقتلوا و أحرقوا كل منتسبي طبقة النظام الحاكم حينها ليعتبر كل من سيصعد للحكم على كراسي الجمهورية الوليدة حينها والتي حلت بدلا عن الملكية .
ففي اليمن تكللت ثورة 26 سبتمبر 1962 بالنجاح ، حيث تمثل الهدف الأول منها لدى كل اليمنيين باﻹطاحة بالملكية “اﻹمامية”،وثورة 14 أكتوبر1963 التي أطاحت بالنظام الاستعماري و تلتهما ثورة 11 فبراير 2011، التي سرعان ما فهم الشعب ماذا يريد ليطيح بمطلبه اﻷساسي الرئيس السابق وإنهاء كل الفساد المستشري بأجهزة الدولة ، و لطالما تنجح الثورات عادة – وإن طالت- عند توحد الرؤية والهدف المشترك.

تخللت ثوراتنا اﻷولى بعض اﻷخطاء التي وجب مقارنتها ببعض الثورات اﻷخرى لنتفادى الوقوع بها مجددا، لطالما ولد هذا الشعب ثائرا وسيستمر بثورته جيلا بعد جيل إلى يوم يبعثون ..
تميز الشعب اليمني بطيبة قلبه وسرعة تصديق الشر المغلف بالشعارات الجذابة وندرة قدرته على قراءة النية السيئة الكامنة وراء ذلك للكثيرين من النخب السياسية التي تربعت على السلطة بعد قيام الجمهورية بعد عودة الاماميين برداء جمهوري على خلاف الشعب الفرنسي الذي أدرك أن لا خير بمن كان يجلس على كرسي السلطة الملكية وإن أعلن توبته وسرعان ما سيتمرد على ارادة الشعب، فطبع الفرنسيين على آذانهم وقلوبهن بالشمع اﻷحمر لمنع تصديق هذه الخزعبلات وقاموا بقتلهم وإحراقهم في براميل قمامات باريس.

بينما تماهى رموز بعض النخب السياسية و السلطة الفاسدة في ثورات الشعب اليمني واستطاعوا أن يصعدوا على كراسي الحكم بمساعدة الثوار -إما لتصديق نية تغيرهم الجذري أو من بمساعدة ثوار ينتموا لذات العائلة والحزب- أنفسهم وبدعم خارجي أيضا من قبل بعض الأنظمة التي تجمعها مصالح بهم .

حدث انشقاق بصفوف ثوار ثورة فبراير بعد عام من الثورة وزادت الهوة وكبر الشقاق وأصبح واضحا بعد الثورة التصحيحية الثانية ما بعد الانقلاب حين والتي بدأت بهدف لطالما كان واضحا، وهو التخلص من اﻹنقلابيين الذين كان بعضهم قد انضم لثورة 11 فبراير فقط لإعادة انتاج نظام الامامة من جديد
ثوار فبراير الذي لطالما آمنت بهم حتى وإن تساقط الكثير منهم بدأوا بتوجيه أصابع اﻹتهام والتخوين لبعضهم البعض، إما بسبب رؤساء أحزابهم “بالنسبة للمنتميين حزبيا” الذين عفى عليهم الزمن وترسخت فكرة التسامح والتماهي تبعا لمصالحهم أو بزرع هذا الشقاق بأيادي خارجية أخرى.

استفاد علي صالح من هذا الخلاف الفبرايري كان المستفيد اﻷول من كل انشقاق أو خلاف يطفو على السطح ليحرك أوراق اللعب إن لم يكن هو أحد أسباب زرع الخلاف ، فاتسمت خطاباته للسنوات اﻷخيرة -قبل قيام ثورة2011- بالتجهيز إجبارا لولاية إبنه أحمد، وﻷن اليمن جمهورية وليست ملكية فبدى عليه اﻷمر صعبا من هذه الناحية وعن تخليه عن الحكم من ناحية أخرى وهو ما لم يكن باستطاعته الا بمساعدة قوى إقليمية فاﻷمر يأتي من الخارج –لطالما وشباب الثورة لا يملكون كيانا مستقلا بعيدا عن الوصاية الحزبية ويقدم تطمينات للخارج – فالدول اﻷخرى وفقا لمصالحها تحتاج إلى وريث حكم جديد كصالح بنفس فكره وجرائمه التي تودي باليمن إلى الهاوية لكن بشخصية جديدة تظهر للمجتمع أن لا غبار عليها .

تنبه الشباب لمؤامرة التوريث الجديد، فمنذ أن صعد على كرسي الرئاسة قام بقتل كل مرشح يحاول ترشيح نفسه رغم صناديق التزوير التي تثبته دائما لكن ذلك لم يكفي إذ وجب عليه السعي الحثيث لتعيين إبنه.

أنتظر أحمد بلوغه اﻷربعون بفرح على عكس اﻵخرين من يخافون التقدم بالعمر، وجرت التجهيزات لذلك لكن تلك الأحلام أفسدها ثوار فبراير وكشفت ملفات جرائم وفساد تطول جميع العائلة الحاكمة التي لن يسمح المجتمع الدولي -إن أنصف- أن يتغاضى عن جرائمهما .

وخصص علي صالح الكثير من أموال الدولة لتنشئة أشخاص يتولوا المهمات الصعبة بدقة عالية، فمنذ صعد على كرسي الخلافة إذ قرر أن يزيح كل من يهدد حكمه السرمدي، فقتل وأعتقل وأخفي أشخاص كثيرون ابتداء من الحمدي -الذي مثل قتله جائزة رئاسته- إلى طلاب العلم الذين عادوا من العراق حينها ومصر أيضا ، رغم هتافه “بالكيماوي يا صدام” بعد دخول صدام الكويت.. وصولا إلى كل صحفي أو شخص مؤثر ضمن مكان عمله او تجمعه إلى أن وصل اﻷمر به لقتل الكثير من شباب فبراير الذين ثاروا ضده بدء من جمعة الكرامة ووصولا إلى إحراق ساحة الحرية بتعز ومنهم من لا يزال إلى اليوم وخففين قسرا تحت طائلة التعذيب في السجون المشتركة ما بينه وبين جماعة الحوثي المتصدرة للمشهد.

وظف علي صالح الكثير من الخلايا التابعة له وزرعها بجميع المحافظات والمديريات وصولا إلى عقال الحارات وتعددت وظائف هذه الخلايا فبدأ بابنه أحمد الذي لم يتخلى بعد عن البحث عن أي فرصة تقوده للرئاسة فتشبث بدول خارجية تحاول تلميعه كحمامة بيضاء تزف لليمنيين أرقى السلام ، فبدت مسرحيته اﻷخيرة فاشلة بل مضحكة لتسريب اتصال هاتفي ما بينه وبين والده ليحثه بالقوة عن فك ارتباطه بجماعة الحوثي التي يراها كجماعة إرهابية لكسب استعطاف الشارع المناهض له أيضا كما هو هو مناهض للحوثي وأيضا دفعه أموال خيرية لعميل له في تعز يروج له بطريقة ساذجة كرمه اللامتناهي لجذب صغار العقول والجهال للتطبيل لحين عودته وابن عمه يحيى الظاهر بلباس ” القومجي “الذي لا زال يسرح ويمرح ويحضر المنتديات ليدحض جرائم العائلة وهاشم اﻷحمرأحد قادة الشرعية والذي هو جزء من قادة ابن المخلوع ويمارس بلطجته بالعلن في منفذ الوديعة و الخلايا التي تتمثل بمشائخ القرى وعقال الحارات ورؤساء بعض المنظمات والمبادرات المشكوك بها صراحة وصولا إلى البائعين المتجولين أو حتى من يمثلوا الجنون وتمركزهم عند كل برميل قمامة في كل حارة وشارع. كل تلك الخلايا تحاول بشتى الطرق التمهيد لعودة أحمد كحل سياسي وحيد للحكم.

ولا ننسى الممثل الكبير الذي لم يتعب من كثرة التمثيل بعد ، فبدأ تمثيله في ثورة 2011 ليهدئ ثورة الغضب التي كانت ستنهي علي صالح يومها للأبد لولا إعلانه باﻹنضمام إلى ثورة الشباب واللعب من تحت الطاولة لنفاجئ ويفاجئ الكثير من تعيينه في الحكومة الشرعية كنائب رئيس الجمهورية والتي أتسمت ممارساته العسكرية بالكثير من الرعب.
وما زال الجنرال العجوز يمارس الكثير من الفساد وعادة انتاج منظموة الفساد والنظام القديم داخل الشرعية بدء في خلخلة الجيش الوطني المتشكل من رحم المقاومة الشعبية ومواجهة الانقلاب سواء اﻷسماء الوهمية أواعادة انتاج القادة الموالين له كشخص واستدعائهم وقت الحاجة إلى إعلانه اﻹنفصال بجيشه وتصدر المشهد بإنقلاب جديد سيلي اﻹنقلاب السلالي الذي تحدثت عنه في مقال سابق ، وهو مالن يكون لأنه الشعب صاحي لكل تلك الأوهام .

أخيرا، أيها الطفل المدلل ” حمادة ” يامن حلمت ببلوغ اﻷربعون منذ أن ولدت ، يصعب على هذا الشعب تناسي جرائم العائلة التي أرتكبها أبوك ومازالت ترتكب بحق هذا الشعب منذ سنوات طوال.
نعم، سبق وأن وصفت هذا الشعب بطيبة قلبه المصدق للتدليس الذي يمارس تحت الخطب والشعارات الرنانة، لكن لتعلم أن هذا الشعب قد تغير وسيفوق شعب ألمانيا الذي أدرك أن الجميع تجار حرب بل سيطبع الكثير من الشمع اﻷحمر على قلبه كثائري فرنسا ليتم التخص منكم فردا .. فردا ولن يغفر لكم أو يتسامح