18 November، 2019

نظام الملك الطوسي.. ماذا تعرف عن الوزير الذي أحدث طفرة في حضارة الإسلام؟

في تاريخ الحضارة الإسلامية، كما سائر الحضارات، هناك محطات فاصلة لعبت دورا رئيسيا في إحداث طفرات هائلة، ومن اللافت أن تكون هذه التحولات مرتبطة بأشخاص كانوا من جملة هذه الأسباب التي أدّت إلى تحوّل في مسار الحضارة؛ فكأنما ملكوا قدرة على فتح الأبواب المغلقة لانسياب تيار الحضارة الإسلامية في مجرى الزمان والمكان؛ ليُثبت تفوّقه؛ علميا كان أم سياسيا أم اقتصاديا أم عسكريا.

ولعل من هؤلاء نظامَ الملك الطُوسي، الرجل الذي عمل وزيرا لمدة ثلاثين عاما كاملة لاثنين من سلاطين السلاجقة، ألب أرسلان وابنه ملكشاه، وهو الرجل الذي أثبت قدرة وكفاءة تكاد تكون نادرة في تاريخ الإدارة في الإسلام، بل إنه فوق مهامه الإدارية الجسيمة كان رجل علم وثقافة، واستطاع أن يؤلف واحدا من أهم مصادر السياسية والآداب السلطانية في تاريخ الإسلام الوسيط، فمن هو نظامُ الملك الطوسي؟ وما أهم إسهاماته التي استحق معها مكانة مرموقة في التاريخ؟ وكيف أدّت نجاحاته الباهرة إلى خاتمة مأساوية في نهاية المطاف؟!

من الفقر إلى الوزارة!
وُلد أبو علي الحسن بن علي بن إسحاق الطوسي في إحدى القرى التابعة لولاية طوس أو مدينة مشهد الرضا في أقصى الشرق الإيراني اليوم قرب الحدود مع تركمانستان، في عام 408هـ/1017م، وكان والده يعمل دهقانا أي زعيما لمدينة بيهق التابعة لطوس زمن سيطرة الغزنويين على تلك المناطق، أي إن والده كان من رجالات الإدارة الغزنوية في مراتبها المتوسطة، على أن دخله ومرتبه الشهري من تلك الوظيفة لم يكن يكفي حاجته وحاجة أبنائه، ومنهم نظام الملك.

كانت المأساة الأكبر متمثّلة في وفاة والدة نظام وهو لا يزال رضيعا؛ ولأن والده كان فقيرا ولا يستطيع استئجار مُرضعة، فإنه كان يمر به على بيوت النساء يُرضعنه لوجه الله دون مقابل، ومن هنا تفتحت عينا نظام الملك على الفقر، وهو الشعور ذاته الذي جعله ذا طموح كبير، دفعه ابتداء للتعلم وحفظ القرآن الكريم، وقد وصفه المؤرخ ابن الأثير بأنه نشأ “وسِرُّ الله فيه يدعوه إلى علوّ الهمة، والاشتغال بالعلم، فتفقّه وصار فاضلا”[1].

وفي بلدته التي وُلد فيها “نوقان” تعلم العربية بجوار الفارسية، وقرأ القرآن الكريم والحديث واللغة والنحو، ودرس الفقه على المذهب الشافعي، والاعتقاد على المذهب الأشعري، ولحبه لتعلم الحديث النبوي الشريف فقد قرر كدأب أقرانه من طلبة العلم الارتحال لطلبه وسماعه بين كبار شيوخه في كلٍّ من العراق وخراسان والري وأصفهان ونيسابور؛ بل إنه تحصّل على درجة عالية في هذا العلم جعلته يجلس لإملاء الحديث على طلبة العلم في مدينة الري[2] (طهران اليوم).

على أن الطوسي شُغف بما شُغف به والده الذي انخرط في سلم الإدارة، فتعلم لأجل ذلك الكتابة والإنشاء وتعمق فيها، فضلا عن علم الحساب، وكانا من أساسيات القبول في دواوين الحكومات المحلية في مناطق العالم الإسلامي كافة آنذاك، وبالفعل انخرط نظامُ الملك في دواوين الدولة الغزنوية في عاصمتها غزنة في أفغانستان، وهناك زادت خبرته، وبزّ أقرانه، ولعل ذلك جعل الإمام الذهبي يقول فيه: “فصار كاتبا نجيبا إليه المنتهى في الحساب، وبرع في الإنشاء، وكان ذكيا لبيبا كامل السؤدد”[3].

كان السلاجقة حينذاك في طور الصعود السياسي الكبير، واستطاعوا بالفعل حكم مناطق بلاد ما وراء النهر، وشيئا فشيئا كانوا يتوسّعون على حساب الغزنويين في مناطق خراسان وهي مناطق أفغانستان وتركمانستان وشرق إيران اليوم، واستطاع الحسن الطوسي أن يتصل بخدمة السلاجقة، ولفتت مهاراته وعلمه وذكاؤه الوزير أبا علي بن شاذان وزير الأمير ألب أرسلان، فأصبح الطوسي على اتصال وثيق بأمراء السلاجقة، ثم سرعان ما ارتقى من مجرد مساعد للوزير إلى كاتب للأمير ألب أرسلان السلجوقي قبل أن يرتقي إلى منصب السلطنة بعد وفاة ابن شاذان.

حين ارتقى ألب أرسلان السلطان السلجوقي الأشهر، وصاحب انتصار معركة “ملاذكرد” الخالدة، قرر أن يجعل كاتبه أبا علي الطوسي وزيرا للدولة السلجوقية سنة 455هـ، وتلك كانت اللحظة الفارقة في حياة الوزير؛ الذي عاش فقيرا، وأوصله طموحه واجتهاده وتحصيله للعلوم وفوق ذلك ذكاؤه إلى منصب الرجل الثاني في أعظم دولة حكمت العالم الإسلامي في عالم العصر الوسيط، ذلك المنصب الذي سيؤهله ليكون بدوره أعظم سياسي عرفه ذلك الزمان كما يقرر المؤرخ حسين غلام.

فن الإدارة عند نظام الملك!
ثلاثون عاما قضاها نظام الملك في الوزارة، حتى لُقّب بـ”تاج الحضرتين” لأنه وزرَ لسلطانين هما ألب أرسلان (455- 465هـ)، وملكشاه (465- 485هـ)، ومنحه الخليفة العباسي لقب “رضي أمير المؤمنين” وهو اللقب الذي لم يمنحوه لأحد قبله ولا بعده؛ لبراعته وتقريبه وجهات النظر بين السلاجقة والعباسيين، وكان فوق ذلك يُسهم في تدبير شؤون الديوان والولاية، ويقوم على تنظيم العساكر وتعبئة الجيوش، حتى إنه في الحروب كان يُقاتل في طليعة الجيش جنبا إلى جنب مع أبنائه وغلمانه وبقية عساكر الجيوش السلجوقية.

أُطلق على الطوسي لقب “نظام الملك” تشريفا لدوره ومكانته في تدعيم وتقوية مُلك السلاجقة، وحرص نظام الملك على وضع إستراتيجية إدارية أخذته إلى مصاف كبار رجال الدولة في التاريخ الإسلامي، وبفضل سياسته أوجد حكومة مركزية واحدة تتصرف في ممتلكات السلاجقة الواسعة في خراسان وإيران والعر، وحضّ السلاجقة حديثي الإسلام على التمسك بأهداب الشريعة والمحافظة عليها من ناحية، ومن ناحية أخرى ربطهم بآداب الإدارة الأميرية وقواعد حكم الملوك السابقين من الفرس وغيرهم[4]. فقد حرص أولا وآخرا على التقرب من الرعية، والنظر في مظالمهم، وإقامة العدل فيهم، يقول العلامة السبكي في ذلك: “وإن قعدَ للمظالم أقامَ الكتابَ والسُّنة، وأخاف في الله ببطشه كل ذي يد عادية، تغدو بعدها النفوس مطمئنة، حتى أقرّت بالعدل عظماء السلاطين، واستقرت في أيامه بالأمن، فالناس لا يخشون نازلة المتعالين”[5].

وقد أُثر عنه مواقف كثيرة جدا تدل على اتصاله بعموم الشعب والمظلومين وأصحاب الحقوق، فكان له أيام مخصصة لسماع الشكاوى والتوقيع عليها، ويروي أحد شهود العيان أن مجلسا من هذه المجالس كان يحضره العلامة إمام الحرمين أبو المعالي الجويني، وقد رمى بعض أصحاب الحاجات رقعة إليه فوقعت على دواته وكان حبرها كثيرا، فسقط على ملابسه واسودّت، وكان من اللافت أنه لم يتغير ولم يغضب، وهو أعظم وزير يحكم دولة تمتد من الصين إلى الأناضول إلى الشام، بل مدّ يده إلى الرقعة وأخذها ووقّعَ عليها ليُقضى لصاحبها بحاجته، وتعجّب الحاضرون من حلمه. وكثرت مجالسه التي عقدها للنظر في مظالم الرعية في العديد من المدن وعلى رأسها بغداد عاصمة الخلافة العباسية، وفيها كان يقضي الحوائج، ويُنعم بالهبات الطائلة، والأموال الجزيلة على المستحقين[6].

حرص نظام الملك على تدوين تجربته وخبرته في الإدراة في كتاب يكون “دليلا في فن الحكم والإدارة”، ومن هنا؛ يُعدُّ كتابه “سياست نامة” خُلاصة تجاربه في الإدارة والحكم، وقد ألّفه في أواخر حياته بناء على طلب السلطان ملكشاه، الذي كلّف سنة 479هـ/1086م عددا من مشاهير دولته وحكمائها أن ينظروا في أحوال المملكة السلجوقية، ويكتبوا له عن كل شيء غير محمود فيها، وأن يرفقوا بذلك ما يعرفونه من السنن الحميدة للملوك السابقين، ثم يعرضوها عليه ليتخذ منها دستورا له، فقدّموا له عدّة كُتب اختار منها كتاب نظام الملك “سياست نامه” أو “سير الملوك” وقال: “لقد اتخذتُ هذا الكتاب إماما لي وعليه سأسير”.

ومن هنا تحوّل نظام الملك لا من مجرد وزير إداري استطاع أن يكون الرجل الأول في الدولة حين سلّمه السلطان ملكشاه مقاليد الحل والعقد والمال والحكم وجعله يتصرفُ فيها كيفما شاء دون محاسبة أو مراجعة، بل إلى أيقونة ومُنظّر لكامل المشروع السلجوقي على مستوى الأخلاق أو الآداب السلطانية وعلى مستوى الإدارة السلطانية ومعاونيها، وآليات التعامل الحكيمة مع العامة/الشعب، وإستراتيجياتها وأهدافها الكبرى؛ فقد نصحَ السلطان بالاعتماد على البريد لوصول الأخبار العاجلة إليه بسرعة في ظل مساحة الإمبراطورية السلجوقية المترامية في آسيا، فضلا عن ضرورة وجود فريق قوي من المخابرات أو باصطلاح ذلك العصر “العيون” ليكونوا بين الناس، ويعرفوا آخر الأخبار والمظالم، أو المؤامرات والكوارث لإيصالها لأولي الأمر بصورة عاجلة.

وكانت الوصية الأهم من ذلك كله التي وجهها نظام الملك في ثنايا كتابه، والتي اتخذها السلاجقة مشروعا لهم، بل اتخذها الزنكيون والأيوبيون والمماليك وسلاجقة الروم والعثمانيون وكلهم من رحم الإدارة السلجوقية خرجوا، أن نصح السلطانَ بضرورة تنويع عناصر وأعراق الجيش السلجوقي، وعدم الاعتماد على عرق واحد مثل الأتراك فقط أو العرب فقط أو الفرس فقط، حتى يأمن عدم التمرد والعصيان، وكان نظام الملك أمينا حين أشار إلى أن هذا النظام كان معمولا به في الدولة الغزنوية التي جاء السلاجقة على أنقاضها.

المدارس النظامية.. ثورة التعليم السني!
أدرك نظام الملك أن الفترة التي سبقت مجيء السلاجقة الأتراك لحكم العالم الإسلامي في ظل السيادة الدينية للعباسيين كانت فترة يحكمها الشيعة البويهيون في العراق وإيران، وهي فترة ازدهر فيها الفكر الشيعي الإمامي، والإسماعيلي، هذا فضلا عن وجود الدولة الفاطمية في مصر التي كانت تبث دعاتها، وتنفق الأموال الطائلة على نشر المذهب الإسماعيلي، وتسعى جاهدة لتقويض دعائم أهل السنة في مناطق نفوذ العباسيين والسلاجقة كافة.

ومن هنا، فإننا نرى في كتابه “سير الملوك” هجوما حادا على هذه الفِرق، ومدى خطرها، ناصحا السلاجقة بعدم التعاون أو الاعتماد عليها، أو الوثوق فيها، يقول: “سيتضح للملك في اليوم الذي أتنحى فيه جانبا فسادهم، وفكرهم وسوء فعلهم، وسيعلم أيضا مدى ما كان لي من شفقة وهوى وميل في دولته القاهرة، وأني لم أكن بغافل وغير مطلع على أحوال هذه الطائفة، وما كان يدور في خلدها، بل لقد كنتُ أعرضها على الأعتاب السامية دائما، لكني لما رأيت أن أقوالي لم تكن تلقى لديه قبولا، ولم يُصدّقها عزفتُ عن تكريرها”[7].

على أن الأخطر من ذلك كله كان ظهور فرقة الإسماعيلية الحشاشية بزعامة الحسن الصباح، وقلاعهم المتناثرة في كلٍّ من إيران وبلاد الشام، وكثيرا ما أُرسلت القوات السلجوقية للقضاء على هذه الطائفة التي لم تكن تهدأ في القيام بعمليات الاغتيال لكبار الأمراء والعلماء وكل من كانوا يرونه عقبة أمام أفكارهم ومشروعهم، واستطاعوا بسبب حصانة مواقعهم ونشاط دُعاتهم أن يستميلوا كثيرا من أهل المناطق المحيطة بهم في دامغان والألموت وغيرها من أقاليم إيران إلى أفكارهم، هذا فضلا عن توسّعهم في بلاد الشام أيضا وهو الأمر الذي طالما حذّر منه نظام الملك السلطات السلجوقية.

أيقن نظام الملك أن المواجهة يجب أن تكون شاملة، لا تكتفي بالعنصر العسكري أو الأمني أو الخشن فقط، بل يجب أن يرافقها مشروع ثقافي تتبناه الدولة، وكان هذا المشروع ممثلا في إنشاء المدارس “النظامية” في حواضر العالم الإسلامي في بغداد ونيسابور ومرو والري وغيرها، وكانت هذه المدارس بمنزلة الجامعات الحكومية التي أوقف عليها الأموال الضخمة.

صحيح أن تأسيس المدارس في عالم الإسلام كان سابقا لعصر نظام الملك، وأنه لم يكن مبتكره، ولكنه كان أول من سنَّ نظاما جديدا في حقل التربية والتعليم، وهو تعيين رواتب وتخصيص مساكن لطلاب العلم، وتأمين سكن ونفقات للمدرّسين، وكانت مدارس/جامعات مُجهّزة ليل نهار؛ إذ كانت أسباب فراغ البال والمطالعة وتحصيل العلم متوافرة فيها للمعلمين وطلاب العلم على حدٍّ سواء[8].

وكان لحسن حظّ الوزير نظام الملك أن مجموعة من أكابر علماء وفقهاء السنة كانت تُعاصره، مثل العلامة إمام الحرمين أبو المعالي الجويني (ت 478هـ/1085م) وهو شافعي مثل نظام الملك، وقد تقرب الرجلان من بعضهما، بل إن الجويني أهدى إلى نظام الملك أحد كتبه الذي سماه “الرسالة النظامية”، ومن أجل الجويني بنى نظام الملك المدرسة النظامية في نيسابور عاصمة خراسان، أما العلامة أبو حامد الغزالي (ت 505هـ/1111م) وهو ابن مدينة طوس المدينة ذاتها التي وُلد فيها نظام الملك، كما أنه تلميذ الجويني، فقد تقرب هو الآخر من نظام الملك[9]، واستدعاه إلى بغداد كي يدرس في المدرسة النظامية التي بناها لإحياء المذاهب والعقائد السنية بين أوساط العامة وطلبة العلم.

كان يحضر في نظامية نيسابور ثلاثمئة طالب يوميا، وعلى مدار ثلاثين سنة للإصغاء إلى دروس إمام الحرمين الجويني، أما نظامية بغداد التي أُسست بين عامي 457 إلى 459هـ، فكان لها أوقاف كثيرة من أسواق وحمّامات ودكاكين وضياع لتأمين أجور العمال والأساتذة ونفقات الطلبة، وكان فيها أيضا مكتبة قيّمة ذات منصّة وأساتذة ومعيدون وكُتبية وحُرّاس وخدم كثيرون، لقد كانت نفقات الأساتذة والطلاب خمسة عشر ألف دينار سنويا، وكان عدد طلابها ستة آلاف طالب يدرسون النحو واللغة، والفنون الأدبية، والفقه، والتفسير، والحديث، وغير ذلك من العلوم الشرعية.

انتشرت المدارس النظامية في البصرة وأصفهان وبلخ وهراة ومرو والموصل، وكان أكثر أساتذة النظاميات وكتبييها وطلابها من مشاهير علماء القرن الخامس والسادس والسابع الهجري، وكانت الأولوية لعلماء الشافعية والأشاعرة، وقد انتشر طلابها في حواضر العالم الإسلامي وتولّوا الوظائف المختلفة، حتى إن العلامة أبو إسحاق الشيرازي، المدرس الأول لنظامية بغداد، يحكي عن الأثر الكبير الذي أحدثه مشروع “المدارس النظامية” قائلا:

“لما خرجتُ في رسالة الخليفة المقتدي إلى خراسان لم أدخُل بلدا أو قرية إلا وجدتُ قاضيها وخطيبها من تلامذتي”، ومن هنا بدأ المشروع يؤتي ثماره بتخرج دفعات من الطلاب الحريصين على نشر المذاهب السنية، والوقوف في وجه الحركات الباطنية والمناوئة لاعتقاد أهل السنة، حتى أصبح للمدارس النظامية سمعتها وقوتها في جميع أرجاء العالم الإسلامي.

ولعل هذا النجاح الكبير هو الذي جعل العلامة الحافظ ابن عساكر مؤرخ الشام ومحدّثها يُسارع للخروج من دمشق إلى بغداد ليسمع الدروس في الجامعة النظامية، وبعد عودته يعكف على تأليف أهم موسوعة خُطّت في ذلك العصر وهي “تاريخ دمشق” في أكثر من 70 مجلدا، بل إن صيت هذه المدرسة بلغ إلى آفاق بعيدة؛ إلى بلاد المغرب الأقصى، حيث سمع عنها ابن تومرت مؤسس الدولة الموحدية، فشد الرحال من المغرب إلى المدرسة النظامية لكي يتفقّه على يد العلامة أبي حامد الغزالي وغيره ثم يعود إلى موطنه يُناظر العلماء، ويدعو لنفسه، ويؤسس دولة الموحدين على أنقاض دولة المرابطين[10].

كان إنشاء هذه المدارس في كلٍّ من بغداد ونيسابور وبلخ وهراة وأصبهان والموصل والبصرة ومرو وطبرستان دليلا على التخطيط الجيد، والتوزيع الجغرافي المقصود، فقد أُنشئت في المدن التي اتخذت مركز الصدارة والريادة والتوجه الفكري آنذاك، فضلا عن أن كثيرا منها كانت مراكز لتفريخ الأفكار الباطنية الإسماعيلية مثل البصرة ونيسابور وطبرستان وخوزستان والجزيرة الفراتية.

كان الوزير نظام الملك الطوسي يختبر بنفسه معلومات الأساتذة والعلماء من خلال المناظرات التي كان يعقدها في المناسبات المختلفة ويُلقي عليهم أسئلة كان قد أعدّها سابقا

ونظرا للمكانة الكبيرة التي احتلتها المدارس النظامية في الوعي العام في كامل بقاع العالم الإسلامي، أصبحت الجامعات النظامية أُمنية لكل أستاذ وشيخ كبير للتدريس والعمل فيها، بل وإنفاق الأموال والذخائر للوصول إلى هذه الغاية مثل عبد الرحمن الطبري وأبي حامد البردي اللذين درّسا في هذه الجامعات بعد تعب وجهد، لكن اختيار الأساتذة للتدريس في هذه الجامعات كان يجري على وفق تقاليد تشبه إلى حدٍّ ما تقاليد أرقى الجامعات الحديثة.

كان الوزير نظام الملك الطوسي يختبر بنفسه معلومات الأساتذة والعلماء من خلال المناظرات التي كان يعقدها في المناسبات المختلفة ويُلقي عليهم أسئلة كان قد أعدّها سابقا؛ فإذا لمس لديهم من العلم ما يؤهّلهم إلى التدريس في هذه المدارس وجّههم نظام الملك إلى المكان الملائم لهم في هذه المدارس، فيوفدهم إلى إلى أكثر المدن احتياجا إلى علمهم وخبرتهم ودُربتهم[11].

لم يكن اهتمام نظام الملك بالمدارس النظامية التي أنشأها في كامل حواضر الدولة الإسلامية في خراسان وإيران والعراق مُنصبا على العلوم النقلية فقط لتخرج الفقهاء والوعاظ والقضاة، ونشر ثقافة العلوم الشرعية بين عموم الناس، بل إنه اهتم بإنشاء أقسام علمية في هذه الجامعات، واستقدم لها أعظم العلماء التطبيقيين في عصره، فقد دعا عالم الرياضيات عمر بن الخيام الذي أنشأ له مرصدا فلكيا كان يعتبر من أحدث المراصد الفلكية في عصره، فاخترع التقويم السلجوقي أو الجلالي الذي عمل به ابتداء من عام 472هـ/1079م[12].

كانت الخطوة التالية أن نظام الملك حضّ علماء المدارس النظامية على تأليف مصنفات تواجه دعاية وأراجيف المذاهب الباطنية والإسماعيلية، وتُبيّن حقيقة هذه العقائد، وتكشف الأسرار التي لا يُدركها عامة الناس، وتعطيهم دفعة من الأمان المعلوماتي والديني لصوابية الإسلام السني، ووقفت الخلافة العباسية موقف تعضيد وتأييد لنظام الملك ومشروعه الثوري ذلك. وكان من أكثر تلك المصنفات شهرة ما كتبه حجة الإسلام أبو حامد الغزالي في رسالته الشهيرة في نقض عقائد الباطنية، وكانت تكليفا من الخليفة العباسي المستظهر، فسماها الغزالي بـ”المستظهري”، وأنتج عقب ذلك عدة أعمال أقصر ضد الإسماعيليين وشرعية إمامهم، في الوقت الذي دافع فيه عن حقوق الخليفة العباسي[13] في قيادة الأمة.

أحدثت المدارس/الجامعات النظامية طفرة هائلة في مواجهة المشروع الإسماعيلي الباطني، وكذلك انتشار ثقافة نشر العلوم والمعارف والعقائد السنية، والدعم السخي غير منقوص للأبحاث العلمية “التصانيف” وللأساتذة وطلبة العلم والقائمين على المكتبات في كامل بقاع العالم الإسلامي في ظل الخلافة العباسية والدولة السلجوقية.

لكن النتائج كانت أعظم أثرا من عصر نظام الملك الطوسي في خلال القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي، لقد كان هذا المشروع مُلهما للدول كافة التي أعقبت السلاجقة في منطقة الشرق الإسلامي كما حدث مع الدولة الزنكية والأيوبية والمملوكية من خلفهم، وكلهم ساروا على نهج نظام الملك ونظامه التعليمي الذي كفل التشجيع على إقامة المدارس وإيقاف الأوقاف عليها، وهو ما ضمن حرية الدراسة والبحث العلمي، ونتج عنه في نهاية المطاف كمًّا هائلا ورصينا من المصنفات في فروع العلوم الإسلامية التي أُلّفت في القرون السادس والسابع والثامن والتاسع الهجري، والتي لا تزال شاهدة على عبقرية وثورية هذا النظام الذي أحدثه الوزير أبو علي الحسن نظام الملك الطوسي.

وبسبب هذا النجاح الباهر، وهذه العقلية المبدعة التي جمعت بين مهارة الإدارة، وغزارة العلم، والإلمام بالتحديات، والتقرب من الرعية وإقامة العدل، فقد قرر الباطنية الإسماعيلية الانتقام من هذا الوزير الذي بدد جهودهم وأحلامهم، فخرج إليه رجل منهم على زي صوفي فقير يُعطيه مظلمته ليكشفها، فاقترب منه النظام لكن الباطني غدر به، وسدد طعنة نافذة إلى قلبه، فسقط ميتا من فوره، وذلك في العاشر من شهر رمضان سنة 485هـ/1092م بالقرب من مدينة نهاوند بإقليم فارس، وقد حُمل جثمانه ووُورِي الثرى في مدينة أصفهان، ودُفن في الجامعة النظامية التي أنشأها في تلك المدينة، وهو في السابعة والسبعين من عمره.