16 July، 2019

جغرافيا اليمن وتاريخ الظلم

فواد الحميري

١) تهامة وظلم الغربة :
ذكرت كتب السيرة النبوية أن رجلاً زبيديا، قدم مكة ببضاعة، فاشتراها منه العاص بن وائل، ولم يدفع له الثمن، فاستنجد الزبيدي فلم ينجده أحد، بل انتهروه، فصعد على جبل أبي قبيس عند طلوع الشمس، وقريش في أنديتهم حول الكعبة، فصاح بأعلى صوته:
يا آلَ فِهْرٍ لِمَظْلُومٍ بِضَاعَتُهُ *** بِبَطْنِ مَكَّةَ نَائِي الدَّارِ وَالنَّفَرِ
وَمُحْرِمٍ أَشْعَثٍ لَمْ يَقْضِ عُمْرَتَهُ *** يَا لَلرِّجَالِ وَبَيْنَ الْحِجْرِ وَالْحَجَرِ
إِنَّ الْحَرَامَ لِمَنْ مَاتَتْ كَرَامَتُهُ *** وَلاَ حَرَامَ لِثَوْبِ الفَاجِرِ الغُدَرِ
فاجتمعت قبائل قريش، وتم الحلف، وقال الزبير بن عبد المطلب: “ما لهذا مترك”، أي: لا نتركه حتى نرد له حقه.

٢) حضرموت وظلم النهب:
عن وائل بن حجر الحضرمي رضي الله عنه قال:” جاء رجل من حضرموت ورجل من كندة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال الحضرمي يا رسول الله إن هذا قد غلبني على أرض لي كانت لأبي
فقال الكندي هي أرضي في يدي أزرعها ليس له فيها حق
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للحضرمي : (( ألك بينة ؟؟ ))
قال لا
قال : (( فلك يمينه ))
قال يا رسول الله إن الرجل فاجر لا يبالي على ما حلف عليه
وليس يتورع من شيء
فقال (( ليس لك منه إلا ذلك )) فانطلق ليحلف
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أدبر : (( أما لئن حلف على ماله ليأكله ظلما ليلقين الله وهو عنه معرض ))”أخرجه مسلم.

٣) صنعاء وظلم القتل:
كان يعلى بن أمية والٍ على اليمن من قبل عمر رضي الله عنه، فأرسل إليه بأمر جماعة بصنعاء اجتمعوا على اغتيال رجل وقيل صبي فكتب إليه عمر رضي الله عنه بقتلهم جميعا .وقال: لو اجتمع عليه أهل صنعاء لقتلتهم به”. اصل القصة في كتب الصحاح والسنين.

٤) عدن وظلم (الفيد) :
والفرق بين النهب والفيد أن الاخير باسم السلطة وعبر متنفذيها.
فبينما الخليفة عمر بن عبد العزيز يسير يوما في سوق حمص ، إذ قام إليه رجل ، فقال : يا أمير المؤمنين ، أمرت من كان مظلوما أن يأتيك ؟ قال : نعم ، قال : فقد أتاك مظلوم بعيد الدار ، فقال له عمر : وأين أهلك ؟ قال : بعدن أبين ، قال عمر : والله إن أهلك من أهل عمر لبعيد ، فنزل عن دابته في موضعه ، فقال : ما ظلامتك ؟ قال : ضيعة – أرض زراعة – لي وثب عليها واثب ((ممن يلوذون بك)) فانتزعها مني !فكتب إلى عروة بن محمد – والي اليمن – يأمره أن يسمع من الرجل بينته ، فإن ثبت له حق دفعه إليه ، وختم كتابه . فلما أراد الرجل القيام ، قال له عمر : على رسلك ، إنك قد أتيتنا من بلد بعيد ، فكم نفذ لك زاد ، أو نفقت لك راحلة ؟ وأخلق لك ثوب ، – أي كلفة وخسارة الطريق – فحسب ذلك ، فبلغ أحد عشر دينارا ، فدفعها عمر إليه – وقال له عمر : إذا وصلت أرضك فأخبر الناس بذلك حتى لايمتنع مظلوم من رفع ظلامته إلينا .(حلية الأولياء لأبي نعيم الكامل لابن الأثير).

٤) واليمن كله اليوم وظلم الانقلاب. الذي غرّب، ونهب، وقتل، وتفيّد. ونقل هذه المظالم الفردية طورا جماعيا. وأضاف لتلك الشكاوى الاجتماعية بعدا سياسيا.
مجددا بذلك التاريخ، وموحدا الجغرافيا، ومخلّدا الناصر.